بين الجغرافيا السياسية و الجيوبوليتك

‏مقال طويل ولكنه مهم للغاية :‏

‏( بين الجغرافيا السياسية والجيوبوليتك )

‏تنتسب الجذور الأولى لدراسة الجغرافيا السياسية لأرسطو ( 383-322 ق.م ) الذي كان أول من تحدث عن قوة الدولة المستمدة من توازن ثرواتها مع عدد ساكنيها , وترك أرسطو أفكاراً بالغة الأهمية عن وظائف الدولة ومشكلات الحدود السياسية , وظلت أفكار ربط الممارسات السياسية بالخصائص الجغرافية تتطور بإسهامات فلسفية متعاقبة , واكتسبت هذه الأفكار دفعة قوية بما كتبه عبد الرحمن بن خلدون ( 1342-1405م ) التي ظهرت في مقدمته الشهيرة .

‏وفضل ابن خلدون يتمثل في تشبيهه الدولة بالإنسان الذي يمر بخمس مراحل حياتية هي : الميلاد والصبا والنضج والشيخوخة والموت . وهذه الدورة الحياتية للدول وارتباطها بمقدرات الدولة أرضاً وسكاناً وموارد = كانت أبرز ما نقله المفكرون الغربيون فيما بعد حينما تمت بلورة الصياغة العلمية لقيام وسقوط الحضارات.

‏ومع العقود الأولى للقرن 18 شهدت فرنسا ظهور أفكار جغرافية سياسية رصينة صاغها مونتسكيو ( 1689-1755 ) جنباً إلى جنب مع ما قدمه من أفكار اجتماعية وفلسفية وقانونية . بيد أن اعتقاد مونتسكيو الشديد في الحتمية البيئية نحا به لأن يربط مجمل السلوك السياسي للدولة بالعوامل الطبيعية وعلى رأسها تحكم المناخ والطبوغرافيا مع التقليل من مكانة العوامل السكانية والاقتصادية .

‏وظل تقييم دور العوامل المكانية ( الجغرافية ) في تاريخ ومستقبل الدولة السياسي بدون صياغة متكاملة حتى ظهرت في المجتمع الألماني أفكار فردريك راتزل ( 1844-1904 ) والذي يرجع إليه الفضل في كتابة أول مؤلف يحمل عنوان ” الجغرافيا السياسية ” في عام 1897م .

‏آمن راتزل بأفكار داروين في التطور البيولوجي التي كانت سائدة في نهاية القرن التاسع عشر , وصبغ راتزل صياغته لتحليل قوة الدولة بالأفكار الداروينية التي طبقها الفيلسوف الإنجليزي سبنسر في العلوم الاجتماعية تحت اسم ” الداروينية الاجتماعية “. وأكد راتزل على أن الدولة لا تثبت حدودها السياسية , وكانت الدولة لديه أشبه بإنسان ينمو فتضيق عليه ملابسه عاما بعد عام فيضطر إلى توسيعها ، وكذلك ستضطر الدولة إلى زحزحة حدودها السياسية كلما زاد عدد سكانها وتعاظمت مطامحها .

‏وعلى الجانب الآخر من القارة الأوروبية نجد في هذه الحقبة الجغرافيين اليوغسلاف يطوعون الجغرافيا السياسية لتحقيق أهداف قومية ، فلم يتورعوا معها أن يعبثوا بالخرائط السياسية لتحقيق مآربهم , وكان المثال الأبرز هو الجغرافي اليوغسلافي الشهير يفيجييتش الذي “زيّف” في خرائط الحدود الإثنية للقومية المقدونية – مستغلا شهرته الدولية والثقة الممنوحة له في مؤتمر الصلح في باريس 1919 – ليخدم أغراضاً مفادها “سحب” أراض مقدونية وضمها إلى الصرب ، وكانت المحصلة إذكاء الروح القومية للصرب وطموحهم للتوسع .

‏في الوقت الذي كان فيه راتزل وسبنسر يتحدثان عن الجغرافيا السياسية كان بعض الجغرافيين الألمان يتحدثون عن علم السياسات الأرضية أو ما اصطلح على تسميته بالجيوبوليتيك , وقد بدا أنه إذا كانت الجغرافيا السياسية تنظر إلى الدولة كوحدة إستاتيكية فإن الجيوبوليتيك تعدها كائناً عضويا في حركة متطورة.

‏في هذه الأثناء كانت ألمانيا تعيش بعد الهزيمة التي منيت بها في الحرب العالمية الأولى، في انتكاسة قومية بسبب ما اقتطع منها من أراض كإجراءات عقابية لها من قبل المنتصرين، وتقسيم مستعمراتها بين إنجلترا وفرنسا، كما فرض عليها حصار عسكري ومالي.

‏وفيما بين الحربين كرَّس الجغرافيون والسياسيون الألمان جهودهم للخروج بوطنهم من محنته، وخرجت لأول مرة دورية علمية تحمل عنوان ” المجلة الجيوبوليتيكية ” وضمت هجيناً من الفكر الجغرافي والتاريخي والسياسي والقومي والاستعماري.

‏وقد صيغ هذا الفكر في قوالب علمية رفعت شعار : 

‏” لا بد أن يفكر رجل الشارع جغرافياً وأن يفكر الساسة جيوبوليتيكياً “.

‏وقد جاء هذا الشعار ليبرر الكم الهائل من المعلومات الجغرافية “المغلوطة” التي قدمت للشعب الألماني عن دول شرق أوربا والاتحاد السوفيتي , كما تم توظيف نتائج بحث الجغرافيا التاريخية والآثار لتقديم معلومات عن أحقية ألمانيا في أراض وبلدان تبعد عنها مئات الأميال شرق أوربا.

‏وبالرغم مما قد نظنه من مهام علمية بريئة للجمعيات الجغرافية فإن دورها في خدمة التوسع الألماني كان جلياً واضحاً , فتحت رعاية الجمعية الجغرافية الألمانية أنشئت في ميونخ عام 1924 المدرسة الجيوبوليتيكية التي رأسها الجغرافي السياسي كارل هوسهوفر , وبجهود هذه المدرسة وبالأعداد المتواترة للدورية الجيوبوليتيكية جهّـز الجغرافيون والسياسيون الفكر الألماني بعضوية الدولة وضرورة زحزحة حدودها لتشمل أراضي تتناسب مع متطلباتها الجغرافية وتحقق ضم الأراضي التي يقطنها الجنس الآري.

‏وقد جاء ذلك في ظل تنامي أفكار القومية الشيفونية الممزوجة بأغراض التوسع العسكري للحزب النازي , وقد تلقف هتلر أفكار هوسهوفر وزملائه ، كما استعان بأفكار الجغرافي الإنجليزي الشهير ماكندر ( الذي كانت مقالاته تترجم إلى الدورية الجيوبوليتيكية ) ، خاصة تلك الأفكار التي صاغ من خلالها نظريته عن ” قلب الأرض ” والتي تقول فحواها : إن من يسيطر على شرق أوربا يسيطر على العالم . وتنبأ فيها بانتقال السيطرة على العالم من القوى البحرية ( إنجلترا وفرنسا ) إلى القوى البرية ( ألمانيا والاتحاد السوفيتي ).

‏وجاءت أفكار هتلر بدءاً من كتاب “حياتي” ، ومرورا بخطبه الحماسية ، لتكرس مفهوم المجال الحيوي لألمانيا Lebensraum ، أي مساحتها الجغرافية اللائقة بها وبالجنس الآري، ولتمثل أبرز مقومات القومية الاشتراكية (النازية) التي تبناها.

‏وهكذا زاد التداخل في المفاهيم وصار الفصل صعباً بين الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك والإمبريالية . وصعِدت الجيوبوليتيك إلى مصاف العلوم الكبرى خلال الحرب العالمية الثانية ، حتى كتبت هزيمة ألمانيا نهاية لهذه المكانة.

‏وصار مفهوم الجيوبوليتيك بعد الحرب العالمية الثانية قرين التوظيف السيئ للجغرافيا السياسية ، وهو ما أضر بتطوير الجيوبوليتيك والجغرافيا السياسية معاً , ووصل الأمر في بعض الدول إلى منع تدريس الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك في جامعاتها ؛ باعتبارهما علمين مشبوهين يسعيان إلى بذر العداء ويكرسان الأطماع القومية.

‏من الجيوبوليتيك إلى جغرافية الإمبريالية :

‏دون حاجة لتنظير أكاديمي ومصطلحات ضخمة كانت إمبراطورية روسيا القيصرية ومنذ منتصف القرن السادس عشر تطبق فكرة الدولة العضوية Organic State حتى قبل أن تصاغ في قوالب نظرية.

‏وأرست روسيا المنهج الذي قامت عليه الأطماع الاستعمارية فيما بعد باعتمادها على الدور المحوري لجمع المعلومات الجغرافية عن الشعوب المجاورة وتدعيم رحلات علمية ” بريئة ” تقدم أبحاثاً في ميادين شتى لخدمة التوسع فيما بعد ، وكان ذلك يجري على قدم وساق حتى أفول شمس الإمبراطورية القيصرية في 1917.

‏وبعد الحرب العالمية الثانية كان الاتحاد السوفيتي واحداً من تلك الدول التي منعت تدريس الجيوبوليتيك في جامعاتها؛ استناداً إلى أن الجيوبوليتيك والجغرافيا السياسية في ألمانيا جلبَا الكوارث على القارة الأوربية والعالم بأسره.

‏ولم تظهر كتب في هذين العلمين ذات قيمة إلا في منتصف التسعينيات ، هذا بالرغم من أن الاتحاد السوفيتي نفسه كان أكثر النماذج وضوحاً في التطبيق الحرفي لمبادئ الطمع الجغرافي ” السمعة السيئة للجيوبوليتيك ” لدرجة أن من أكثر النكات شيوعاً في أوروبا في الستينيات كانت تلك التي يسأل فيها مدرس تلميذه سؤالا جغرافياً مباشرا ً: من هم جيران الاتحاد السوفيتي؟! وبدلاً من أن يعدد الطالب أسماء الدول المجاورة تأتي إجابته : جيران الاتحاد السوفيتي هم مَن يرغب هذا الاتحاد في أن يصبحوا جيراناً له !! في دلالة تهكمية على أن هذه الحدود متغيرة ، وتعتمد على مستوى التوسع والضم الذي تمليه الأطماع الجغرافية السوفيتية.

‏وبتفكك الاتحاد السوفيتي مع نهاية الثمانينيات من القرن العشرين ، وبتغير القدرات العسكرية النسبية له انكمشت الحدود ، وصارت تطال الحدود الأصلية لروسيا ما قبل السوفيتية.

‏وقد دعا هذا أحد المفكرين السياسيين صبيحة تفكك الاتحاد السوفيتي إلى أن يعبر درامياً عن هذا بقوله : ( يبدو أنه لا مفر من أن نتجرع الكأس حتى الثمالة ؛ بالأمس انهدم البيت السوفيتي ، واليوم تتهدم روسيا , وما الشيشان إلا مشهد في فصول تهدم البيت , أما بقية المشاهد فستتوالى بخروج مناطق الحكم الذاتي ، تعقبها الأقاليم ، ثم تتعاقب المشاهد والفصول عبر انفصال وحدات أصغر فأصغر ).

‏وعلى الجانب الآخر كان قد ظهر على المسرح الجغرافي – مع خروج الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية كأكبر قوة عالمية – مفهوم جديد للجيوبوليتيك وهو ” الحدود الشفافة ” ، التي يقصد بها الهيمنة الأمريكية الاقتصادية والعسكرية دون حدود خرائطية للدولة , أو ما يسميه تايلور – أشهر باحثي الجغرافيا السياسية في العقدين الأخيرين – بـ ” جغرافية السيطرة من دون إمبراطورية “.

‏والسيطرة من دون إمبراطورية هي أفضل تجسيد لتطوير الأفكار الجيوبوليتيكية، بعيداً عن الأطر التقليدية للنمو العضوي للدولة , وهذا التطوير يسمح بأن يصبح العالم كله “المجال الحيوي” للولايات المتحدة، بعدما عاشت الأخيرة حتى الحرب العالمية الثانية في عزلة جغرافية ممتعة اختارتها لنفسها.

‏وأهم سمة في هذا المجال الحيوي هو ” اللامواجهة ” ؛ استناداً إلى مزايا الحرب الإلكترونية ، وتوظيف الخصوم المتناحرين في إدارة الحرب بالإنابة ، أو التدخل في لحظة محددة باعتباره تدخلاً إنسانيا لصالح العدل والحرية.

‏وفي نفس الوقت تدفع الولايات المتحدة في هذا المجال الحيوي – دون حاجة لتوسيع الحدود – بمبيعات أسلحتها وتحصل شركاتها على أفضل فرص ” إعادة الإعمار ” وحقوق التنقيب عن الثروات ، ناهيك عن الانفراد بغسل الأدمغة بأفكار جديدة أعد لها سلفاً.

‏جيوبوليتيكية العالم العربي : تآكل من الداخل والخارج :

‏يعتري وضع الحدود الدولية للعالم العربي ثلاثة أنماط من المشكلات :

‏(1) مشكلات الحدود الخارجية.

‏(2) تآكل الأراضي العربية من الداخل عبر الاستيلاء الإسرائيلي التدريجي على الأراضي العربية.

‏(3) احتمالات التقسيم الداخلية ، التي تستهل بالعراق والسودان ، ومعروف وجود سيناريوهات مشابهة للمغرب ومصر ولبنان.

‏ويأتي هذا التوجه بينمالا تفتأ إسرائيل تناوش مصر وسوريا ولبنان والأردن بالتهديد بتوسيع الحدود الإسرائيلية في أي لحظة وتحت أي ذريعة، وهو ما يؤكد أن الأفكار الجيوبوليتيكية ما زالت حاضرة في العالم العربي، ولكن بصورة يبدو فيها العالم العربي مفعولاً به وليس فاعلاً.

‏وتجسد حدود إسرائيل نموذجاً مثالياً للحدود العضوية ؛ فدولة الاحتلال بدأت بعدة مستوطنات في نهاية القرن التاسع عشر ثم مع ما اكتسبته القوات الإسرائيلية من دعم بريطاني بدا التوسع التدريجي على حساب الأراضي العربية ، وظلت متجهة للكسب الجغرافي في صالح إسرائيل حتى عام 1973 , حينما تغيرت هذه المعادلة رغم القدرات الإسرائيلية المتزايدة عسكرياً وبشرياً.

‏وكان منتظراً أن تبقى الحدود واسعة فضفاضة مؤكدةً لإستراتيجية نقل المعارك إلى أرض الأعداء ، غير أن العوامل الداخلية الإسرائيلية والسعي إلى إقامة مجتمع مستقر يعيش دولة الرفاهية وليس دولة الحرب دفع إسرائيل إلى القبول كرهاً بتضييق حدودها ، وهو ما لا يتوقع أن يستمر طويلاً.

‏فالحدود الإسرائيلية الحالية لا تتفق مع الأفكار الجيوبوليتيكية التي تناسب قدراتها العسكرية ، كما لا تتناسب مع أطماعها الجغرافية ، في الثروة المائية بخاصة ، ولا رؤاها الصهيونية.

‏أضف إلى ذلك أن العالم العربي يتعرض لتهديد بحبس المياه عنه ؛ إذ تنبع أنهاره الكبرى ( كالنيل ودجلة والفرات ) من أراضٍ أجنبية , وترتبط الأوضاع الجيوبوليتيكية للحدود العربية بما يسمى ” حروب المياه ” المنتظرة ( كالصراع حول سد النهضة بين مصر وأثيوبيا ) وهو ما يحتاج إلى معالجة مستقلة .

‏لا يمكن القول بأن هناك رؤية جيوبوليتيكية واضحة للعالم العربي المعاصر ، فعلى مدى قرون عديدة انشغل العالم العربي ” بإزالة عدوان ” الأطماع الجيوبوليتيكية للقوى العالمية التي اجتاحت أراضيه واستغلت ثرواته.

‏ورغم أننا يمكن أن ننظر إلى الفتوحات الإسلامية من زاوية جيوبوليتيكية لنشر أفكار الدين الإسلامي ، فإن المنصفين يقرون بأن ذلك الاتساع للدولة الإسلامية لم يقم على أساس استعماري ينكر الآخر ويزدريه وينهب ثرواته ويحطم حضاراته.

‏ويكفى أن نستدعي إلى الذهن الإسهامات العلمية والأدبية والروحية لمسلمي البلاد التي ضمتها دولة الخلافة العربية ؛ كشاهد على التعايش والتفاعل والانتماء ، بل ولغير المسلمين الذين شاركوا في النهضة الإسلامية وتم احترام حريتهم الدينية وصونها.

‏وبالمثل، فإنه إذا ما قدر للعالم العربي أن يُفيق من مشاكله – وهذا آت لا محالة – فإن ما قدمه المفكر الجغرافي المبدع / جمال حمدان , في تناوله للمصالح الجيوبوليتيكية لمصر ( في مؤلفه الفريد عن شخصية مصر ) يمكن أن يكون أساساً لنموذج تُحدد فيه الدوائر الجغرافية للمصالح العربية القائمة على التبادل والتكامل مع ما يجاورها من قوى سياسية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s