عمر بن عبد العزيز قضى على الفساد في عامين!

عمر بن عبد العزيز أرسى العدل ورفع المظالم وحقق الامن الاقتصادي والغذائي والوفرة المالية
كثيراً ما قرأنا ورددنا هذه العبارات لكن نادراً ما عرضنا كيف قام عمر بن عبد العزيز بذلك.

فهذه النواحي لا بد لها من نظرة اقتصادية، فعندما يتكلم الاقتصادي عن عمر بن عبد العزيز تختلف المعالجة.

مقدمة

إذا قلت: النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذا وكذا، قالوا: هذا نبي!

وإذا قلت: أبو بكر أو عمر، قالوا: هذا صحابي!

إذا قلت: عمر بن عبد العزيز، ماذا سيقولون؟

عمر بن عبد العزيز ليس بنبي ولا بصحابي، وحكم لمدة سنتين ونيف، فحقق الإصلاح وقضى على الفساد، ووضع حدًا لسفك الدماء، وخراب الديار، وتفرق الجماعات، ووفر الأمن والعدل بين الناس، وقضى على الفقر، وحقق التنمية.

وإذا كان الرجل يكون فقيرًا قبل رئاسة الدولة ثم يصبح ثريًا بعدها، فإن عمر بن عبد العزيز، على العكس من ذلك تمامًا، كان ثريًا قبل الرئاسة ثم أصبح فقيرًا بعدها!

من يقرأ سيرة هذا الرجل لا بد أن يبكي في كل موضع منها! وهاكم من سيرته وخصاله ما جعله مؤهلاً للقضاء على الفساد في زمن قياسي قصير!

سيرته

عمر بن عبد العزيز (61-99هـ) (681-720م) ولد في المدينة المنورة، وقيل: في حلوان بمصر، ومات ودفن في دير سمعان من أعمال معرة النعمان بالقرب من حلب في سورية.

خامس الخلفاء الراشدين، وثامن الخلفاء الأمويين، ومن سادات التابعين، وكان فقيه النفس. ولا ريب أنه علم من أعلام الاقتصاد الإسلامي في الحكم والعلم. سار على طريقة جدّه لأمه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ونحن في الاقتصاد الإسلامي كثيرًا ما كتبنا عن العلماء وإسهاماتهم، وقلّما كتبنا عن الأمراء وإسهاماتهم. وهذا الرجل العظيم يجمع بين الأمرين معًا! وإذا صلح العلماء والأمراء صلحت الشعوب.

حياته قبل الخلافة

كان يرخي شعره، ويُسبل إزاره، ويلبس الخزّ، ويعصف ريحه، ويتبختر في مشيته! كان من ألبس الناس، وأعطر الناس، ومن أكثر الأمويين ترفهًا وتملكًا. تشم رائحته العطرة في المكان الذي يمرّ فيه، وكانت تسمى مشيته بالعُمَرية، وكان الجواري يتعلمنها منه لما يرين من حسنها!

حياته بعد الخلافة

فلما ولي الخلافة تغيّر تغيّرًا جذريًا، فنحل جسمه، وذهب شعره، وتغيّر لونه.

ولايته

تسلم ولاية المدينة  86-93 ثم الحجاز، ثم الخلافة 99-101هـ.

علمه

قال مجاهد: أتيناه نعلّمه فما برحنا حتى تعلمنا منه!

كان في العدل مثل جدّه لأمه عمر بن الخطاب، وفي الزهد مثل الحسن البصري، وفي العلم مثل الزهري.

قال الإمام أحمد: لا أرى قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز!

حواره مع الخوارج

حاور الخوارج واستمالهم بالحجة، وغلبهم بأخلاقه وعلمه، وانصاع كثير منهم للحق، فحقن الدماء، وحمى البلاد من الدمار والخراب، وأنقذ العباد من التفرق والاقتتال، فضعف بذلك نفوذ المعارضين للحكم الأموي.

خشيته

سُئلت زوجته عن عبادته، فقالت: والله ما كان أكثر الناس صلاةً، ولا أكثرهم صيامًا، ولكن والله ما رأيتُ أحدًا أخوف لله من عمر!

تواضعه

قال له رجل: يا خليفةَ اللهِ في الأرض، فقال: إني لمّا ولدتُ اختار لي أهلي اسمًا فسمَّوني عمر، فلو ناديتني: يا عمر أجبتكَ. فلما كبرتُ اخترتُ لنفسي الكُنَى فكُنّيتُ بأبي حفص، فلو ناديتني: يا أبا حفص أجبتكَ. فلما ولّيتموني أموركم سمّيتموني أمير المؤمنين، فلو ناديتني: يا أمير المؤمنين أجبتكَ. وأما خليفة الله في الأرض فلست كذلك، ولكن خلفاء الله في الأرض داود عليه السلام وشبهه. قال تعالى: (يا داودُ إنّا جعلناكَ خليفةً في الأرضِ) ص 26.

يحتمل أن يكون هذا من باب التواضع، واحتج به البعض بأنه من باب التحريم، ولي فيه مقالة مستقلة.

زهده

– لم ينفق من بيت المال درهمًا واحدًا على نفسه! وكان جدّه عمر بن الخطاب يُجري على نفسه في كل يوم درهمين! فقيل له: لو أخذت ما كان يأخذه عمر بن الخطاب. فقال: إن عمر بن الخطاب لم يكن له مال، وأنا مالي يُغنيني!

– دخلتْ عليه عمّته فرأته يتعشى أقراصًا وشيئًا من ملح وزيت، فقالت له: يا أمير المؤمنين! أتيتُ بحاجةٍ لي، ثم رأيتُ أن أبدأ بكَ قبل حاجتي! قالت: لو اتخذتَ طعامًا ألينَ من هذا؟ قال: ليس عندي ياعمّة! ثم قالت: كان عمّكَ عبد الملك يُجري عليّ كذا وكذا، ثم كان أخوك الوليد فزادني، ثم وليتَ أنت فقطعتَه عني! قال: يا عمّة إن عمّي عبد الملك وأخي الوليد وأخي سليمان كانوا يعطونكِ من مال المسلمين، وليس ذاك المال لي حتى أعطيَه لكِ!

– جاءته امرأة من العراق، ودخلتْ على فاطمة زوجته، وفي يدها قطن تعالجه. فلما جلستِ المرأة رفعتْ بصرها فلم تر في البيت شيئًا له بال! فقالت: إنما جئتُ لأعمر بيتي من هذا البيت الخرب! فقالت لها فاطمة: إنما خرّب هذا البيتَ عمارةُ بيوتِ أمثالكِ! فأقبل عمر فمال إلى بئر في ناحية الدار، فانتزع منها دلاءً صبّها على طين، وهو يُكثر من النظر إلى فاطمة، فقالت لها المرأة: استتري من هذا الطيّان! فقالت: ليس هو بطيّان، إنما هو أمير المؤمنين!

– أبطأ يومًا عن الجمعة، فعوتب في ذلك، فقال: انتظرتُ قميصي الذي غسلتُه حتى يَجِفّ!

– وكان من دعائه: اللهمّ لا تُعطِني في الدنيا عطاءً يُبعدني من رحمتك في الآخرة.

– كان ينفق على نفسه وعياله كل يوم درهمين، لغدائه وعشائه!

بدأ بنفسه

بمجرد توليه الخلافة قُدمتْ إليه المراكب التي يركبها الخليفة فتركها وخرج يلتمس بغلته! وقال لمولاه: يا مزاحم رُدّ هذه المراكب إلى بيت مال المسلمين! وكذلك فعل بكل ما في يديه من أرض ومتاع وقطائع وثياب فاخرة وعطور، فخرج من ذلك كله وردّه إلى مال المسلمين!

وطلب من زوجته فاطمة بنت عبد الملك أن ترد حليّها كله إلى بيت المال، وكانت هذه الحليّ من هدايا الخلفاء لها. قال لها: اختاري، إما أن تردّي حليّكِ إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقكِ! فإني أكره أن أكون أنا وهو في بيت واحد! قالت: لا بل أختاركَ يا أمير المؤمنين عليه وعلى أضعافه لو كان لي!

ملأ الأرض عدلاً

ملأ عمر بن عبد العزيز الأرض عدلاً بعد أن ملئت جورًا، ولقب بالخليفة العادل.

هذا ليس مالي

قال له عنبسة بن سعيد بن العاص: يا أمير المؤمنين! إن قومكَ بالباب يسألونكَ أن تُجري عليهم ما كان مِن قبلك يُجرى عليهم. فقال: والله ما هذا المال لي! وما لي إلى ذلك من سبيل!

اعتراضه على الأعطيات والقطائع

أحصى العطايا والقطائع فبلغت عنده نصف ما في بيت مال المسلمين وأكثر! فخطب في الناس قائلاً: أعطَونا عطايا ما كان ينبغي لنا أن نأخذها، وما كان ينبغي لهم أن يعطوها لنا. وردّها جميعًا إلى بيت المال!

اختيار الولاة

عزل الولاة الفاسدين وعيّن بدلاً منهم ولاة صالحين.

معاملته مع ولاته

كان وهب بن منبه الفقيه الورع مسؤولاً عن بيت مال اليمن في عهده، فكتب إلى عمر: إني فقدت منه دنانير، فأجابه: إني لا أتهم دِينكَ ولا أمانتكَ، ولكني أتهم تضييعكَ وتفريطكَ، وأنا حجيج المسلمين في أموالهم، وأمره بردّ ما فقد من المال، فردّه وهب من خاصّة ماله!

أرزاق العمال

قال له ابن أبي زكريا: يا أمير المؤمنين، أريد أن أكلمك بشيء. قد بلغني أنكَ ترزق العامل من عمالك ثلاثمئة دينار. قال: نعم. قال: ولِمَ ذلك؟ قال: أردتُ أن أغنيَهم عن الخيانة!

اهتمامه بالرعية

كان يتحسس أخبار المدن، من ذلك ما روي أنه سأل أحد الركبان عن المدينة المنورة، فقال له: إني تركتُ المدينة، الظالم بها مقهور، والمظلوم بها منصور، والغني موفور، والعائل (الفقير) مجبور! فَسُرّ بذلك وقال: لأن تكون البلدان كلّها على هذه الصفة أحبّ إليّ مما طلعتْ عليه الشمس!

جاءه رجل من أحد البلدان فسأله عن حال أهل البلد، ومَن بها من المسلمين وأهل العهد، وكيف سيرة العامل، وكيف الأسعار، وكيف أبناء المهاجرين والأنصار، وأبناء السبيل والفقراء، وهل أعطي كل ذي حق حقه، وهل هناك شاكٍ، وهل ظُلم أحد؟ فلما سأله الرجل: كيف حالكَ يا أمير المؤمنين، أطفأ عمرُ الشمعة، ودعا بسراج له لا يكاد يضيء!

مع زوجته

أرسل عطاء إلى فاطمة بنت عبد الملك: أخبريني عن أحوال عمر. قالت: أفعل. إن عمر رحمة الله عليه كان قد فرّغ للمسلمين نفسه، ولأمورهم ذهنه. فكان إذا أمسى مساءً لم يفرُغ فيه من حوائج يومه وصل يومه بليلته، إلى أن أمسى مساءً وقد فرغ من حوائج يومه، فدعا بسراجه الذي كان من ماله، فصلّى ركعتين، ثم أقعى واضعًا رأسه على يديه، تسيل دموعه على خدّيه، يشهق الشهقة يكاد ينصدع لها قلبه، وتخرج لها نفسه، حتى برق الصبح، فأصبح صائمًا، فدنوتُ منه فقلتُ له: يا أمير المؤمنين! أليس كان منك ما كان؟ قال: أجل! عليكِ بشأنكِ، وخلّيني وشأني! فقلت: أرجو أن أتّعظ. قال: إذنْ أخبركِ.

إنّي نظرتُ فوجدتُني قد وليتُ أمر هذه الأمة، أسودِها وأحمرِها، ثم ذكرتُ الفقير الجائع، والغريب الضائع، والأسير المقهور، وذا المال القليل والعيال الكثير، وأشباه ذلك، في أقاصي البلاد وأطراف الأرض، فعلمتُ أنّ الله سائلي عنهم، وأنّ رسول الله حجيجي فيهم. فخفتُ أن لا يقبل الله مني معذرةً فيهم، ولا تقومَ لي مع رسول الله حجّة، فرحمتُ والله يا فاطمةُ نفسي رحمةً دمعتْ لها عيني، ووجع لها قلبي، فأنا كلّما ازددتُ لها ذكرًا ازددتُ منها خوفًا، فاتّعظي إن شئتِ أو ذَري!

الرفق بالحيوان

أمر أن يكون لجام الحيوان خفيفًا غير ثقيل، وأن تكون المقرعة ليس في أسفلها حديدة، وحدد الحد الأعلى للحمولة على ظهر الدابة.

إصلاحاته الاقتصادية

أصلح كثيرًا من الأراضي الزراعية، وأقرض المزارعين، وحفر الأبار، وشق الطرق، ووحد المكاييل والموازين في جميع أنحاء الدولة الأموية.

النقود

عني بضرب الدنانير والدراهم، وجعل ذلك حقًا لبيت المال، وأعطى بيت المال الحق في تبديل النقود التي لا تروج في الأسواق. وأمر أن تطبع على النقود عبارة: أمر الله بالوفاء والعدل.

روي أنه أتي برجل يضرب على غير سكّة السلطان، فعاقبه وسجنه وأخذ حديده (السكة التي كان يطبع عليها النقود)، فطرحه في النار.

بيت المال

لم يكن من أنصار التوسع في إيرادات بيت المال، ومنع ولاته منه، وكتب إلى عماله يأمرهم بوضع الجزية عمن أسلم، فاعترض عليه أحدهم، فرد عليه قائلاً: إن الله بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا! وخفف الوظائف المالية (الضرائب) وألغى المكوس، وسمّى المَكْس بَخسًا، وأمر الولاة بالاقتصاد في الإنفاق العام، واجتناب السرف والترف والتبذير.

منع تجارة السلطان

فقال: نرى أن لا يتّجر إمام، ولا يَحلّ لعاملٍ تجارةٌ في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير إذا اتّجر استأثر وأصاب أمورًا فيها عَنَتٌ، وإنْ حرص على ألا يفعل!

الحاجات الأساسية

روى أبو عبيد في الأموال أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن، وهو بالعراق، أن أخرج للناس أعطياتهم. فكتب إليه عبد الحميد:  إني قد أخرجتُ للناس أعطياتهم وبقي في بيت المالِ مالٌ! فكتب إليه: انظُرْ مَن ادّان في غير سفّه ولا سرَف فاقضِ عنه! فكتب إليه: إني قد قضيتُ عنهم وبقي في بيت المالِ مالٌ! فكتب إليه: انظُرْ كل بكر ليس له مال، فشاء أن يتزوج فزوجْهُ وأصدِقْ عنه! فكتب إليه: إني قد زوجتُ كل مَن وجدتُ وقد بقي في بيت المالِ مالٌ! فكتب إليه: انظُرْ مَن كانت عليه جزية، فضعف عن أرضه، فأسلِفْه بما يقوَى به على عمل أرضه!

من أقواله: لا بدّ للرجل من مسكن يأوي إليه رأسَه، وخادم يكفيه مهنته، وفرسٍ يجاهد عليه عدوه، وأثاثٍ في بيته.

قضاء الديون

كتب إليه أحد ولاته يسأله: نجد الرجل له المسكن والفرس والخادم والأثاث، هل نقضي عنه ديونه؟ فأجابه: هو غارم، فاقضوا عنه!

توزيع الثروة والدخل

– دخل عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين! إن أمير المؤمنين سليمان قد كان أمر لي بعشرين ألف دينار، حتى انتهت إلى ديوان الختم، ولم يبق إلا قبضها، فتوفي على ذلك، وأمير المؤمنين أولى باستتمام الصنيعة عندي، وما بيني وبينه أعظم مما كان بيني وبين أمير المؤمنين سليمان. فقال له: كم ذلك؟ قال: عشرون ألف دينار. قال عمر: عشرون ألف دينار تغني أربعة آلاف بيت من المسلمين، وأدفعها إلى رجل واحد؟! والله ما لي إلى ذلك من سبيل!

– قال لأقاربه الذين سخطوا من عطائه: والله العظيم لا أعطيكم درهمًا إلا أن يأخذ جميع المسلمين!

أغنى عمر الناس

قضى على الفقر، وأغنى الناس بزهده وعدله وشفقته على الرعية. عن يحيى بن سعد قال: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتُها وبحثتُ عن فقراء أعطيها لهم فلم أجد! لقد أغنى عمر الناس!

ولعل الغنى المراد هنا: غنى المال وغنى النفس معًا، والله أعلم.

الشورى

اتخذ له عشرة مستشارين من خيرة التابعين.

موقفه من الحيل

قال: الطلاء لا خير فيه للمسلمين، إنما هو الخمر باسم الطلاء!

موقفه من الهدايا

أتاه رجل بتفاحات، فأبى أن يقبلها. فقيل له: كان رسول الله يقبل الهدية. فقال: هي لرسول الله هدية وهي لنا رشوة!

القضاء في عهده

استأذنه أحد قضاته عدي بن أرطأة أن يمسّ الناس بشيء من العذاب حتى يقرّوا. فأجابه: العجب كلّ العجب من استئذانكَ إياي في عذاب البشر! كأنّي جُنّة لكَ مِن عذاب الله! وكأنّ رضاي يُنجيكَ مِن سخط الله. فانظُرْ مَن قامت عليه البينة فخذهُ بما قامت عليه، ومَن أقرّ فخذهُ بما أقرّ به، ومن أنكر فاستحلفْهُ بالله العظيم وخلّ سبيله. وايمُ الله لأن يَلقَوا الله عزّ وجلّ بجناياتهم أحبّ إليّ مِن أن ألقى الله بدمائهم!

وكان القضاء مجانيًا في عهده، وكان يعطي المتظلم نفقات سفره. فاطمأن في عهده الفقراء والضعفاء، وساد الأمن والرخاء.

وكان عمر بن عبد العزيز يكتفي باليسير من البينات في ردّ المظالم إلى أهلها، لما يعلم من ظلم الولاة. وما يجري في عصرنا هو العكس!

مات مسمومًا

عاش عمر بن عبد العزيز أقلّ من 40 عامًا، وحكم أقل من 30 شهرًا، وقيل: مات مسمومًا! لأنه حمل الأثرياء على مراعاة الفقراء، وحمل الأقوياء على مراعاة الضعفاء! وأسخط مَن أمرهم بردّ القطائع إلى بيت المال.

لو توالى الحكام على بلدٍ ما، وحكم كل منهم 30 شهرًا، ثم مات مسمومًا، لصلحت الدنيا والآخرة: صلحت دنيا الناس بالعدل وتداول السلطة، وصلحت آخرة الحكام بالفوز بالجنة!

تركته

مات عمر بن عبد العزيز رحمه الله وترك أحد عشر ابنًا، وبلغت تركته سبعة عشر ديناراً، كُفّن منها بخمسة دنانير، واشتري له موضع قبره بدينارين، وقُسّم الباقي على بنيه، وأصاب كل واحد من ولده تسعة عشر درهمًا.

ولما مات هشام بن عبد الملك وخلف أحد عشر ابنًا، قسّمت تركته وأصاب كل واحد من تركته ألف ألف، أي مليونًا، ورأيتُ رجلاً من ولد عمر بن عبد العزيز قد تصدّق بمائة فرس في سبيل الله عز وجل، ورأيتُ رجلاً من ولد هشام يتصدّق عليه!

آخر خطبة له

في آخر خطبة له على منبر الجامع الأموي الكبير في دمشق، قال: إنكم لم تُخلقوا عبثاً ولن تُتركوا سُدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للفصل بين عباده، فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحُرم جنة عرضها السموات والأرض. ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون، كذلك حتى تُردّ إلى خير الوارثين، وفي كل يوم تشيّعون غادياً ورائحاً إلى الله، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، فتودعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير موسّد ولا ممهّد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب! غنياً عما خلّف، فقيراً إلى ما أسلف! فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقيته. وإني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحدٍ من الذنوب أكثر مما أعلم عندي، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه.

ثم رفع طرف ردائه، وبكى حتى شهق، ثم نزل فما عاد إلى المنبر بعدها حتى توفي رحمه الله!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s